ابن عربي

57

مجموعه رسائل ابن عربي

واعلم بأن طريق القوم دراسة * وحال من يدعيها اليوم كيف ترى فالمقصود من الخرقة : ما وراءها : لا مجرد لباسها ، ولذلك شرطوا على لابسها - للإرادة والتحكم - شروط السير والسلوك : وبعد : قال الشيخ الأكبر في رسالته « نسب الخرقة » : أما بعد : فإن مما جاء به الرسول الكريم من العلي الحكيم ، في الكتاب المنزل ، الذي هو القرآن العظيم يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ « 1 » . فالضروري من اللباس الظاهر : ما ستر السوءات ، وهو لباس التقوى : « من الوقاية » والرياش : ما يزيد على ذلك ، مما تقع به الزينة التي هي زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ من خزائن غيوبه ، وجعلها خالصة للمؤمنين ، في الحياة الدنيا ويوم الإقامة « 2 » ، فلا يحاسبون عليها ، وإذا لبسوها وتزينوا بها من غير هذه النية ، ولا هذا الحضور ، ولبسوا فخرا وخيلاء ، فتلك : زينة الحياة الدنيا . فالثوب واحد ، ويختلف الحكم عليه باختلاف المقاصد . ثم أنزل في قلوب العباد : لباس التقوى ، وهو خير لباس « 3 » ، وهو على صورة لباس الظاهر سواء : فمنه لباس ضروري : يواري سوأة الباطن ، وهو تقوى المحارم مطلقا . ومنه ما هو مثل الريش في الظاهر ، وهو : لباس مكارم الأخلاق : مثل نوافل العبادات ، كالصفح ، والإصلاح .

--> ( 1 ) سورة الأعراف ؛ الآية : 26 . ( 2 ) عبر الشيخ ( رحمه اللّه ) بيوم الإقامة ، بدلا من يوم القيامة ، أخذا من قوله تبارك وتعالى : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ وما دامت الإقامة للمؤمنين في الجنة ، فكذلك الإقامة للكافرين في النار ، وهي قضية مسلمة . وإعلم أن الزينة ، التي هي لباس الناس اليوم : يشترك فيها المؤمن والكافر ، ولذلك قال تعالى : قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا حلال فِي الْحَياةِ الدُّنْيا شركاء مع غيرهم خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يشاركهم فيها أحد ، وذلك في دار المقامة الأبدية الذي لا فناء فيها ، واللّه تبارك وتعالى أعلم . ( 3 ) من قوله تعالى : وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ .